الشيخ محمد رشيد رضا
435
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الدين ويؤيده بالمؤمنين الصادقين ، الذين يحبهم اللّه فيزيدهم رسوخا في الحق وقوة على إقامته ، ويحبونه فيؤثرون ما يحبه من إقامة الحق والعدل ، وإتمام حكمته في الأرض ، على سائر محبوباتهم من مال ومتاع وأهل وولد . هذه هي الحقيقة . واما خبر الغيب فهو انه سيرتد بعض الذين آمنوا عن الاسلام جهرا فلا يضره ذلك ، لأن اللّه تعالى يسخر له من ينصره ويجاهد لحفظه ، فقال : * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ قرأ ابن عامر ونافع ( يرتدد ) بدالين والباقون يرتدّ بدال واحدة مشدّدة وهما لغتان . فلغة اظهار الدالين هي الأصل ، ولغة الإدغام تشديد يراد به التخفيف . والمعنى من يرتد منكم يا جماعة الذين دخلوا في أهل الايمان عن دينه لعدم رسوخه ، فسوف يأتي اللّه مكانهم أو بدلا منهم بقوم راسخين في الايمان يحبهم ويحبونه الخ ما ذكره من صفات المؤمنين الصادقين اخرج رواة التفسير المأثور عن قتادة - واللفظ لابن جرير - أنه قال : انزل اللّه هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس . فلما قبض اللّه نبيه محمدا ( ص ) ارتد عامة العرب عن الاسلام الا ثلاثة مساجد - أهل المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من عبد القيس - قالوا ( اي المرتدون ) نصلي ولا نزكي ، واللّه لا تغصب أموالنا . فكلم أبو بكر في ذلك فقيل له : انهم لو قد فقهوا لهذا أعطوها وزادوها . فقال : لا واللّه ، لا أفرق بين شيء جمع اللّه بينه . ولو منعوا عقالا مما فرض اللّه ورسوله لقاتلناهم عليه . فبعث اللّه عصابة مع أبي بكر فقاتل على ما قاتل عليه نبي اللّه ( ص ) حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الاسلام ومنعوا الزكاة . فقاتلهم حتى أقروا بالماعون - وهي الزكاة - صغرة اقمياء « 1 » فأتته وفود العرب فخيرهم بين حطة مخزية ، أو حرب مجلية ، « 2 » فاختاروا الحطة المخزية ، وكانت
--> ( 1 ) الصغرة بالتحريك جمع صاغر - من الصغار بالفتح - وهو المهين الخاضع لغيره ، وأقمياء جمع قميء وهو الذليل الضعيف . ( 2 ) المشهور « بين حرب مخزية » الخ وفي الأصل مجزئة ومجلبة بدل مخزية ومجلية وهو غلط